|
في ظل غياب أية مؤشرات كلية عن حجم ظاهرة الفساد في سورية يبقى اللجوء إلى البيانات المتعلقة ببعض الإجراءات المتخذة الخيار الوحيد المتاح لرسم بعض ملامح هذه الظاهرة, وهي ملامح تبقى ناقصة مادامت تتعلق حصراً بما هو مكتشف من عمليات وصفقات فساد وهدر للمال العام, ولا تتطرق إلى الجانب الآخر (المظلم) الذي يتحرك بذكاء مستفيد من ثغرات القوانين والأنظمة, ومن حالة الروتين والبيروقراطية السائدة ومن عوامل اجتماعية واقتصادية تحيط ببعض العاملين والمتورطين به. من البيانات الهامة التي يمكن أن تقرأ كمؤشرات, ليس فقط على نسبة انتشار ظاهرة الفساد بل على نشاط وفعالية الجهات الرقابية في مكافحة هذه الظاهرة, قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن وزارة المالية, والتي توضح أنها تصدرها (بناء على طلب من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في الغالب, أو بناء على طلب بعض الجهات الحكومية الأخرى), وهنا نود توضيح ثلاث نقاط رئيسية هامة وضرورية: - الأولى أن صدور قرارات برفع الحجز الاحتياطي عن كثير من الأشخاص لايعني شطب المبالغ المطالب بها, فهذه المبالغ إما إنها سرقت من خزينة الدولة أو أنها كانت قيمة الهدر الحاصل في المال العام, وبالتالي وبغض النظر عن الأشخاص المتهمين بها فهي حقيقة واقعة, وتشكل رقماً لايمكن إخفاؤه بأي حال من الأحوال خلف قرارات رفع الحجز الاحتياطي... - السرعة في إصدار قرارات الحجز الاحتياطي بغض النظر عن مصداقية طلب الحجز من عدمه يؤكد أن ثمة جهوداً تبذل لايمكن تجاهلها في جهود بعض الجهات لمكافحة الفساد وإن كانت الانتقادات تنصب على غياب الإستراتيجية الوطنية الشاملة, وأن الجهود الفردية لبعض الجهات على أهميتها لن تكون قادرة على وقف ثقافة الفساد المتزايدة. - النقطة الثالثة وتبين ضرورة الانتباه إلى ناحية مهمة, وهي أن عظم قرارات الحجز الاحتياطي صدرت على خلفية عمل المؤسسات والجهات العامة سواء بالنسبة لعلاقاتها الداخلية أو لعلاقاتها مع الوسط الخاص, بمعنى آخر هي لا تتعلق بأي شكل من الأشكال بالفساد المتشكل داخل القطاع الخاص ومؤسساته والذي لا تقل خطورته عن خطورة الفساد في مرافق وقطاعات الدولة. - وبالعودة إلى البيانات التي تنشر لأول مرة بشكل دقيق وموثق, فقد أعلنت وزارة المالية وبناء على تساؤلات قُدمت لوزير المالية الدكتور محمد الحسين, الذي وجه مشكوراً بالإجابة عنها فإن عدد قرارات الحجز الاحتياطي التي أصدرتها الوزارة عام 2009 بلغ 207 قرارات وذلك ضماناً لما يقدر بنحو 2.858 مليار ليرة سورية, أي بمتوسط شهري قدره 17.25 قرار حجز وضماناً لنحو 238.166 مليون ليرة( كمتوسط شهري)... فيما ولغاية يوم الخميس الماضي ( الخامس من الشهر الحالي) فقد بلغ عدد قرارات الحجز الاحتياطي في هذا العام نحو 163 قراراً, وذلك ضماناً لنحو 2.1 مليار ليرة سورية, أي بمتوسط شهري تقريباً يبلغ نحو 23.28 قرار حجز ضماناً لنحو 300 مليون ليرة,وبالتالي فمقارنة هذه البيانات المستخلصة من إحصائيات وزارة المالية سيتضح أن ثمة تطوراً ملحوظاً في جهود بعض الجهات لمكافحة الفساد وفي استجابة وزارة المالية لنتائج تحقيقاتها وتوصياتها ومطالبها, وهذه الزيادة لا يمكن أن تستخدم كمؤشر على زيادة ظاهرة الفساد أو انخفاضها, لأنها بيانات قائمة على نتائج تحقيقات الجهات الرقابية وليس على دراسات ترصد نمو ظاهرة الفساد في مرافق المؤسسات العامة والخاصة..
المصدر : غرفة صناعة حلب
|